أخلاقية الفن الإسلامي :
وليس في أخلاقية الفن الإسلامي ما يقيد حركة الخطاط والفنان المسلم ولا ما يكبل خياله ذلك أن آفاق الفن الإسلامي هي آفاق النفس البشرية ، والإسلام لم يصادر موهبة الإبداع ، وفي الوقت نفسه لم يترك لها الحبل على الغارب ، لكنه وجهها توجيهاً حسناً لتكون في خدمة العقيدة .
وإن الفن الإسلامي مع الوضوح وضد الغموض ، فالإسلام هو دين عقيدة التوحيد ودين القيم الإنسانية الخالصة ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). ( سورة الروم الآية 30 )
وما دام الفن الإسلامي نسيج وحده ، بانبثاقه عن عقيدة الإسلام وتعاشقه معها ، فلن يكون إلا فناً أصيلاً متميزاً قد يأخذ عن / الغير / ولكنه يعرف كيف يوظف هذا الأخذ ، كيف يعيد تركيبه لكي يساير الرؤية التي تشبّع بها حتى النخاع ، ولكي يخدم صياغته الفنية ويغنيها بما يصبُّ في نهاية الأمر في دائرة الشخصية المتميزة لهذا الفن .
إن الغاية التي يهدف الفن الإسلامي إلى تحقيقها ، هي إيصال الجمال إلى حس المشاهد (المتلقي)، وهي ارتقاء به نحو الأسمى والأعلى والأحسن .. أي نحو الأجمل ، فهي الاتجاه نحو السمو في المشاعر والتطبيق والإنتاج ، ورفض للهبوط.
وكما أن للفن هدفا يسعى إليه ، فان له أيضا (باعثا) يدفع إليه ، هذا الباعث يغذيه جذران . جذر يمتد في أعماق النفس ، إذ من فطرة النفس البشرية السعي إلى الجمال .. وجذر آخر يغذيه المنهج الإسلامي الذي يهدف إلى الجمال .. وهكذا يلتقي ما تصبو إليه النفس مع مايطلبه المنهج.. فإذاً الإنسان مدفوع إلى تحقيق الجمال بفنه بباعث من رغبه النفس وباعث من أمر الشرع بإتقان العمل وإحسانه.
- وللفن شخصيته المستقلة ،فليس هو فرعا من الفلسفة ، أو فرع من فروع العلم - وان كان العلم هو بعض ما يحتاجه الفنان - ولذا فليس من مهارات الفن البحث عن (الحقيقة) أو الكشف عنها. وحينما يطلب إليه ذلك فقد حمل ما لا طاقة له قد يحدث أن يكون الفن في بعض الأحيان طريقا لاكتشاف حقيقة ما ، ولكن هذا ليس مهمة دائمة يكلف بها ؟!.
إن الذين جعلوا اكتشاف الحقيقة من أعراض الفن ، دفعهم إلى ذلك تصورهم الخاطئ عن تحديد مكانة الفن ومهمته .
- والفن الإسلامي ينبع من داخل النفس ،فتجيش به العواطف والأحاسيس ،فإذا به ملء السمع والبصر ، وهو بهذا تعبير التزام وليس صدى لإلزام قهري أو أدبي .
- بينما في (الظاهر الجمالي) أن ساحة الجمال هي الوجود كله ، وان الإسلام أوصل الجمال إلى مجالات لم تعرفه من قبل ، ونؤكد هنا أن ساحة الجمال نفسها هي ساحة الفن ، وهي ساحة لا تضيقها الحدود ، ولا تحصرها الحواجز ، ذلك أنها ساحة منهج التصور الإسلامي .
-والفن الإسلامي - بعد ذلك - لقاء كامل بين إبداع الموهبة ونتاج العبقرية وبين دقه الصنعة ومهارة التنفيذ وحسن الإخراج .إنه اجتماع بين الذكاء المتقد وبين الخبرة والإتقان ، وبهذا يصل الفن إلى ذروة الجمال .. إن أحد العنصرين - الموهبة والخبرة - قد يصل بنا إلى إنتاج فني ، ولكنهما معا يصلان بنا إلى جمال فني .
خصائص الفن الإسلامي :
1-الفن الإسلامي فن توجيهي
: فالفنان المسلم في المجتمع الإسلامي له دوره الريادي لما لأداته الفنية من أثر هام في التعبير عن أوضاع مجتمعه و الكشف عن مكنونات النفوس و رسم آفاق المستقبل و إزاحة الستر عن مناحي الضعف و الخلل ، فالفنان المسلم له أكثر من وظيفة إذا قسناها بالوظائف الأخرى التي يشغلها غيره من أفراد المجتمع فهو حارس لحمى الإسلام ، وعين يقظة لا يحركها النعاس ولا يأخذها الوسن ، وهو محتسب يبحث في أرجاء المجتمع يكشف عن الأخطاء ، ويذكّر بالعلاج الشافي ، وهو كالطبيب النفساني يستبطن العلل ويخبر عن اختلال الأمزجة ليدل على العلاج ، لهذا وحده كان التوجيه أمراً ضرورياً للفنان المسلم وللفن الإسلامي وذلك بحكم أن الإسلام حركة تطوير مستمرة للحياة ، فهو لا يرضى بالركود في لحظة أو جيل ولا يبرره أو يزينه لمجرد أنه واقع ، فمهمته الرئيسية هي تغيير الواقع وتحسينه والإيحاء الدائم بالحركة الخالقة المنشئة لصور متجددة من الحياة .
1- النظرة الإيجابية :
الفن المنبثق عن عقيدة الإسلام ، عن شريعته الواضحة في الكون والحياة ، لا يمكن أن يكون سلبياً بشرط أن يعيش الفنان المسلم تجاربه بحسه الإسلامي ، إذا استوفى هذا الشرط الذي يستغرق تجاربه عفوياً لا تصنعاً ، فإن نتاجه الفني لن تحكمه النظرة السلبية ، حتى في أدق الحالات حرجاً ، فالحياة في الفن الإسلامي مشرقة عذبة ،و الكون فيها جميل حيّ متناسق متعاطف مع الإنسان ، والمخلوقات كلها أصدقاء للإنسان ، والإنسان مكرّم ذو طاقة وإرادة ، والغاية واضحة والحياة ممتدة ، هذا كله يمنح الإنسان قوّة دافعة واستبشاراً بالحياة ، وإقبالاً على العمل والإنتاج .
2- إنه فن العلم :
الخصيصة الثالثة هي أنه فن عالم ، لا ينطلق من جهل ولا يسير في ظلمات ، إنه يعرف العلم الذي عليه أن يبدأ به ويمضي معه صحبة عمر ورفقة حياة. إنه فن يعرف أن العلم هو منهاج الله أولاً ( قرآناً وسنة ) إنه منهاج حق وقول فصل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكل علم لا يقوم على هذا العلم قد يمتد إلى فساد ، وينتشر إلى فتنة ، ولكن العلم الذي يبينه من خلال الجهد البشري المؤمن هو بركة ونعمة من الله إذا قام على العلم بمنهاج الله .
3- الشمولية :
وهي خصيصة من خصائص الفن الإسلاميّ ، ومطلب إسلامي من الإنسان المسلم ، أي أنها إحدى الخصائص الرئيسية التي تميّز الإنسان المسلم في اعتقاده في نظرته للكون والحياة ، في تفاعله مع شريعة ربه ، فاقتضى ذلك كله أن يأتي العمل المثالي الذي يحل من المجتمع محل القدوة ، شمولياً ، فيه من الكمال الإنساني أوفر حظ والعمل الفني الإسلامي أحد نشاطات الإنسان التي تتجلى فيها هذا الشمول إذ يمثل " أوسع نظرة جمالية متفتحة على الإنسان والآفاق ، لأن نظرة الفنان المسلم في جوهرها نظرة كونية ، ولأن الإنسان المسلم إنسان كوني لا تحده حدود إقليمية أو عنصرية أو حتى الأرضية ، إنه يهفو لأن ينسجم ويتفاعل مع هذا الكون الذي هو بضعة منه ، إنه يتناغم معه في حركة دائبة هدفها النور الدائم المتجه إلى الله العظيم.
4- التركيب والتناسب :
تتميز الكتابة العربية لأسباب تاريخية في التحول إلى أشكال حية ، حيث وجدت من الأشكال الموجودة في ذلك الحين المساعد الأكبر لهذا التحول ، إضافة إلى أن غالبية الأحرف من النوع الموصّل مما يساعد في ظهور الأشكال الخاصّة والمتنوعة للتراكيب ، والتركيب في فن الخط إبداع جديد ، وليس عملية جمعية وحسب ، وفكرة التركيب في خط جميل مرادفة لفكرة التشكيل . أما التناسب فهو شكل الكتابة وهو التمايز بين أطول الحروف كاللام والواو والنون ، وعرضها ودقتها ولكل خصوصية تأثير روحي معيّن وهذه الصفة الجمالية لا يبحث عنها في فن الخط ، بل في الفنون الأخرى كالعمارة والزخرفة وبناء المساجد . 5- البساطة والاحتشام : فالبساطة في الفن الإسلامي ، فكرة مهمة في فن الخط ، فما يريده الخطاط تقديمه للمشاهدين هو التلقي الحقيقي للكتابة وهي تعني ظهور الأحرف والكلمات حرة من التكلف والتركيبات وهذه الصفة موجودة بتمامها في لوحات الجبس المكتوبة في خط الجلي الثلث تزامناً مع عصر المعماري الإسلامي سنان ،. أما الاحتشام ( العظمة ) وهي في الغالب من متطلبات بعض الخطوط كالثلث والجلي ديواني والكوفي والخط الفارسي ، والتي هي متناسبة مع مشاعر الجلال والقدرة والقوّة، فإنها تتجلى في الخطوط الإرادية ، ولقد اعترفت بعض المدارس العائدة لهذه الخطوط كمدرسة المرحوم مصطفى راقم بأن هذه الخطوط إنما وضعت تعبيراً عن هذا الأساس. الجمال : الإحساس بالجمال ، والميل نحوه مسألة فطرية متجذرة تحيا في أعماق النفس البشرية، فالنفس الإنسانية السويّة تميل إلى الجمال ، وتشتاق إليه ، وتنفر من القبح وتنأى عنه بعيدا . إن الطبيعة الإنسانية تنجذب إلى كل ما هو جميل ؛ وقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال " . والإحساس بالجمال والوله به ، والاعتناء به ، واقتناء الأشياء الجميلة قد يقوم بها الإنسان تلقائيا بفعل ذاك الميل الفطري المتجذّر في أعماق النفس ...وقد شاء الله سبحانه وتعالى المبدع البديع الخالق أن يجعل من الجمال في شتّى صُوره مَـناطَ رضا وسعادة لدى الإنسان . إن استساغة الجمال حقٌّ مُشاعٌ لكلّ إنسان ، والأكيد أن تذوّق الجمال والتمتع به يختلف بين فرد وآخر ،ومن أمة إلى أخرى ، ومن عصر إلى آخر ، لكنه اختلاف محدود قد يمسّ جانباً من الجوانب ، أو عنصراً من العناصر التي تشكّل القيمة الجمالية . جوْهر الجمال ..! كيف نعرّف الجمال ؟ وكيف نحدّد جوهره وأسسه الموضوعية ؟ فهل الجمال كل ما ترتاح إليه عينا الإنسان ؟ هل هو كل ما يعجبنا ويفرحنا ويشدّنا إليه ، وما يثير إعجابنا ؟ أم ذاك لا يكفي لتعريف الجمال وتحديد جوهره الحقيقي السامي ..ربما يُخفي " الجمال الظاهري" الذي تراه العينان القبح والبشاعة .. وننطلق من الطبيعة فهي نبْعُ الجمال الفيّاض ... الذي لا يجفّ ، فإذا جفّ هذا النبع لا يندثر الجمال فحسب ، إنما تفنى الحياة وتموت الكائنات كلها ..أي لا حياة إذا ماتت الطبيعة ، فالحياة مرتبطة بالطبيعة ، والجمال مرتبطٌ بالطبيعة . تُشبع الطبيعة حاجة الإنسان للجمال ، وتُنمّي لديه شعوره به الذي يرتبط بالميل نحْو الطبيعة ، لأننا كبشر نشعر في تنوّع موضوعاتها ، وثرائها بما يُـمْتع أبصارنا ويبعث الراحة في جوانحنا بما تُمثّله من شفافية وطُهْرٍ ونقاء ، فنحن نستمتع بتعدّد ألوان أوراق الشجر ، وبدقة نظامها البنائي ، وبالانسجام العجيب والعلاقات بين خطوطها ، والتي تتّصف بالرشاقة والنقاء .. من ذاك نعثر في الطبيعة على معايير التناسق والتوازن ، وعلى تجسيدات الثراء اللوني ، والإحساس بالرحابة المكانية ، وبالصفاء الضوئي ، وبتناغمات الكائنات في هذه الطبيعة . 6- تقوم النظرية الجمالية في الفن الإسلامي على القبول المسبق بلقاء الروحي والمادي ومن المسلّم به أن الفن من حيث المبدأ لا يقوم بالمادة وحدها ، ولكنه يتضمن البعد الآخر الروحي والموقف الجمالي الإسلامي ينهض في أساسه على الموقف الروحي ، ويتصل اتصالاً وثيقاً بمفهوم العقيدة عند المسلم حول الله جلَّ جلاله والكون والحياة ، وإذا كانت الوحدانية بمثابة المركز في هذا المفهوم فإن مفاهيم الحق والخير والجمال ، ليست إلا وجوهاً لجوهر قدسي إلهي متفرد ، ومن هنا منبع النظرية الجمالية فإذا كان الوصول إلى الله وحده ، الذي ليس كمثله شيء ، هو أسمى حالات التجريد الفكري والروحي ، فإن الفن عملية تجريد جمالي على الطريق نفسه . فمن مصدر الجمال الرباني ومن مشكاة الحسن التي انطبعت صورتها على مرايا المخلوقات، استمد الفنان المسلم عناصر فنه ومفردات إبداعه ، فتعامل مع الطبيعة ونقل موجوداتها إلى لوحته ، لكنه لم يحرص على مطابقة وحداته الزخرفية بصورها الطبيعية ، وإنما حوَّر وجرّد وأضاف وأبدع فأنتج فناَ زخرفياً إنسانياً يخاطب العقل لا العاطفة وإذا كان الدين الإسلامي الواحد قد وحّد بين الشعوب الإسلاميّة فانعكست على الفنون الإسلامية مظاهر التوحد ، فإن تعدد الشعوب الإسلاميّة التي أنتجت هذا الفن قد أضفت عليه صفة التنوع ، أي أنه فن الوحدة في عناصره الأساسية والتنوع في التفاصيل . والفن الإسلامي يهدف إلى خدمة الدين وتعميق الشعور بالجمال ، إنه ابتهال للجمال الإلهي المتجلي في المادة وفيما وراء المادة ، ومن ثم ليس له وظيفة دينية فقط ، إن غرض العملية الفنية في الإسلام يتركز على التأمل من أجل الوصول إلى ما وراء الطبيعة والعمل على استكشاف شفافية الواقع الزائل لعبوره إلى ما وراءه . والفن الإسلامي له عالمه الجمالي المميز الخاص به الذي يحمل في ذاته عناصره الخاصّة ونظريته الجمالية التي هي الجانب المهم في تأسيس وحدته . أما عنصر العمارة الإسلامية فهي تمثل واجهة للفن الإسلامي ويمثل جميع أنواع الفنون ، فالمسجد مثلاً بأشكاله الثلاثة / ذي الصحن المكشوف – أو الإيوان المربع – أو الشكل المقبب / وكذلك القصر والقلعة وغيرها من المعالم المعمارية الإسلامية بأشكالها البيضوية ونصف الكروية وذات القطاع الكروي والمقرفصة ، كلها صور وأشكال ترمز إلى معنى الاحتواء الإلهي للكون ، أما الدعائم التي تقوم عليها القباب بأعمدة منفردة وأقواس وعقود منحنية ، وجدران مربعة ، فإنها تمثل جميعها الاتجاه البشري نحو الله جل جلاله ، خالق الكون، والفن الإسلامي لا يخلو من عنصر الجمال ، لأنه ينتمي لأُسرة الفن ، فالجمال في الفن عنصر أصيل وشرط أساسي ، إذ النفوس السوية ميّالة للجمال تنساق وراءه مشدوهة بألقه وسحره ، فالجمال هو الحقيقة التي تستقطب حدس الفنان بإلحاح ، لأنه فوق الخير وفوق الحق ، إذ أن ما هو خير وحق هو جميل بالضرورة ولكن ليس كل ما هو جميل خير وحق . والجمال قبل كل شيء هو عنصر أصيل في نظام الكون ومظاهره ، وفي النفس الإنسانية ، والفن الإسلامي فنٌ تفرزه النفس المسلمة والتي سرت أشعة الجمال بين حناياها . 7- الالتزام : الالتزام في الفن الإسلامي للكون والحياة والإنسان هذا من جهة ، ومن جهة ثانية لأنه محكوم بمبدأ المسؤولية تجاه الفرد والمجتمع ، وعليه فالالتزام الفني في المفهوم الإسلامي هو ألا تخرج خارج دائرة النصوص والضوابط الشرعية التي وضحت العلاقة ما بين الفن والدين بصورة واضحة ، ذلك أن الفنان المسلم يملك تصوراً شاملاً متكاملاً صحيحاً للكون والحياة والإنسان ، وأن يسعى دوماً في زرع بذور الجمال له ولغيره من بني البشر . 